الموصل: «الشرق الأوسط»
جلس فراس احمد مبكرا عن موعده اليومي، كي يتهيأ لالتقاط صورة التخرج الجماعية مع زملائه في المرحلة الأخيرة من كلية الآداب جامعة الموصل، حيث اشترى بدلة كحلية اللون مع قميص ابيض وربطة عنق حمراء وحلق شعره قبل يومين، انه اليوم الذي تنتظره العائلة، ربما منذ أن أبصرت عينا فراس النور في هذه الحياة.
بعد أن لبس فراس ملابسه وصفف شعره وارتدى عباءة التخرج، وصلت اللحظة التي كانت شغله الشاغل، كباقي زملائه، فقد وضع علما عراقيا صغيرا على شكل شارة على صدره، حيث اتفق مع زملائه على أن تتشح صدروهم بالعلم العراقي، تعبيرا على انتمائهم للوطن ورفض التخندق الطائفي والديني والعرقي. يقول فراس لـ«الشرق الأوسط»، وهو يقوم بآخر التعديلات على ملابسه قبل التقاط الصورة على مدرج جامعة الموصل، «أتمنى أن يقوم كل الطلبة العراقيين بهذا العمل، وان ننجح نحن الطلاب الخريجين، في ما عجز عنه الساسة والزعماء».
الخريجون هذا العام ، وهم من الذين دخلوا الجامعة في السنة التي دخلت فيها القوات الاجنبية العراق عام 2003، قلقون بشأن مستقبلهم. فتفاقم البطالة في العراق والتدهور الاقتصادي وانعدام الأمن والاستقرار، جعل الكثيرين منهم يتساءلون عن جدوى حمل الشهادة الجامعية، بسبب الشعور بعدم تحقيق الهدف وعدم جدوى الدراسة. الطالب سعد يونس في المرحلة رابعة كلية الهندسة، قال «كان حلمي وحلم عائلتي أن أصبح مهندسا، لكن ماذا سأفعل بشهادتي مع غياب فرص العمل وعدم وجود التعيينات في الدوائر الحكومية، هذا الأمر جعلني مع زملائي نتساءل هل سنكون مهندسين في الشهادة فقط». ويضيف «الذين سبقونا يعملون في غير تخصصهم، فمنهم من يعمل سائق سيارة اجرة أو بائع سجائر».
وقرر الكثير من الخريجين الهجرة الى الخارج، عسى ان يكون هناك الرزق الذي ينتظرهم. ويقول أركان حسن من كلية علوم الحاسبات، «قررت هجرة العراق ماذا افعل بشهادتي في بلد لا يقدر الشهادات، لقد تركوا الأساتذة والأطباء والعلماء يهاجرون، فماذا سيفعلون بنا نحنا الشباب، أم انتظر قدري في بلد أصبح العيش فيه محض صدفة، في ظل تصاعد الاغتيالات والعمليات المسلحة المختلفة». اما سليمان عماد من كلية الادارة والاقتصاد فيقول، «لقد فقدنا العديد من الأساتذة والطلبة هذا العام بسبب العنف، ولا اعرف هل انتظر دوري في القتل ولا اعرف السبب، فالكثير من الذين قتلوا لا نعرف اسباب قتلهم، فقد قتل السني كما قتل الشيعي ومعه المسيحي». ويضيف وهو يجلس مع زملائه في مركز استراحة الطلاب في الجامعة يتناقشون في الاوضاع، التي يمر بها العراق والظروف الامنية المتردية في الموصل، «انا والعديد من زملائي وجدنا في الهجرة ربما حلا لمشكلتنا الامنية والاقتصادية».
الدكتور آبي سعيد الديوه جي رئيس جامعة الموصل، تحدث لـ«الشرق الاوسط»، عن هذه المشكلة قائلا: «معدل الخريجين في جامعة الموصل سنويا ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف طالب، ما بين طلبة الدراسات الأولية والعليا، وسابقا كان الطلاب الذكور يتوجهون لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وتتباين الفترة، ففي الحروب مثلا وصلت خدمة بعض الخريجين إلى 15 عاما، فضلا عن وجود أماكن أخرى تستقبلهم، مثل التصنيع العسكري، فكانت غالبية الوظائف تحصل عليها الطالبات الخريجات. الأمر الآخر في السابق لم يكن هناك طلب على الوظيفة، ففي السنوات التي سبقت الحرب الأخيرة ترك الكثير من الموظفين وظائفهم بسبب قلة الرواتب.. أما الآن وبعد تحسن الرواتب عاد الكثير من الموظفين إلى وظائفهم مع ازدياد الرغبة بالتعيين».
وأضاف: «مهمة جامعة الموصل والمعاهد هي ضخ الخريجين والأكاديميين الى المجتمع، وهي غير مسؤولة بصورة مباشرة عن ايجاد فرص عمل لهم، فمثلا دوائر التربية تستقبل خريجي كليات التربية والآداب، والصحة تستقبل الأطباء والصيادلة والتمريض، أما خريجو الكليات الأخرى فقد أصبح من العسير عليهم ايجاد وظيفة».