كان اسمه ( الاستاذ احمد ) وكان في تلك الايام سلطان زمانه ..
امتلك الاستاذ احمد مقهى في احد ضواحي بغداد وكان يديره بنفسه وكان على اوجه في فصل الصيف , ثم يقفل ابوابه مع نهايات الخريف ويودع زبائنه بسبب قلتهم في ذلك الشتاء القارص حيث ان المقهى يعتبر صيفيا
لكن من كان منا لا يهاب الاستاذ احمد ونحن نرى ولديه صاحبي الشوارب المفتولة وهما يقبلان يده كل صباح قبل ان ينزلا الى عملهما التجاري ...
من كان لا يهابه وهو يأمر فيطاع ويشير بطرف يده فيتراكض العمال نحوه و يومىء بطرف عينه فيأتيه فنجان القهوة في ثوانٍ , في تلك الدلة النحاسية الصغيرة اللامعة على طبق فضي خاص بها مضبوطا كما يحبه دائما ...
كنا ونحن في ربيع العمر نهابه ونحن نرى مقدار الاحترام الذي يكنه له الكبار قبل الصغار ..
ثم قامت الحرب اللعينة في ربيع 2003 وانقطعنا عن ارتياد ذلك المقهى دون ان نتوقف عن متابعة اخباره وانباء اصدقاء العمر الذين تركناهم هناك
وجاء احد الاصدقاء يوما مهموما ليقول ان مقهى الاستاذ احمد قد تعرض للقصف وانه قد فقد بصره بفعل شظية زجاج تسللت الي عينيه
ومضت تلك الاخبار , حتى اوشكنا ان ننسى اصحاب الامس ومراتع الصبا , الى ان تلقيت دعوة من احد الاصدقاء لزيارته في مكان قريب من ذلك المقهى
اوصاني اصدقائي بأن اذهب في طريقي الى الاستاذ احمد للتحية والسؤال ونقل الاشواق , ولم اكن حينها محتاجا الى توصية , فقد كنت متلهفا للوصول الى ذلك المقهى الذي عرفنا فيه معنى الحب الاول حين كنا نلتقي وفهمت كيف تعصف الحياة بالمشاعر مبكرة فتذروها الى غير رجعة
استقلت السيارة وانا ذاهب كان قلبي يدق مع كل انعطافة ومع كل نسمة باردة تهب على وجهي وانا اصل الى المقهى الى ان وصلت الى المكان المنشود لكن يا ترى ماذا رأيت ؟؟
من يصدق ذلك المقهى الرائع ذا الواجهة الحجرية البيضاء والشرفات الواسعة قد اصبح بناءا بائسا تمتد على شرفاته حبال الغسيل وتسد اكوام النفايات مداخله التي كانت احواضا لشتلات الورد !!!
سألت عن اصحاب المقهى فلم يعرفهم احد وانبرى رجل كان يدير متجرا قريبا منه فعرفته دون ان يعرفني وعرفت منه ان الاستاذ احمد قد باع المقهى او بالاحرى طرد منه حيث يقيم اليوم في مأوى للعجزة !!! وقد فقد ذاكرته اثر القصف !!! اما ولداه فقد هاجرا الى استراليا واستقرا هناك
لم يطاوعني قلبي على ان ازوره .. لم امتلك شجاعة كافية لرؤية ذلك السلطان المهيب وقد تحول الى عجوز اعمى فاقدا للذاكرة !!! ... بلا اهل ولا اصحاب وهو الذي عاش كريما محاطا بالناس من حوله ليل نهار .. يشير فيطاع ويبتسم فتشرق شمس الرضا ..
عدت ادراجي بالسيارة التي جئت بها وانا اقول في نفسي .. ان فقدان الذاكرة رحمة احيانا !!!

كتبت تلك الحادثة الواقعية اعلاه لأسباب عدة .. تجعلني افكر في ثناياها دائما وهي حينما تعصف بنا الذكريات الرائعة في موقف اليم نحتاج ان ننسى او نتناسى تلك الذكريات ونتمنى لو نفقد ذاكرتنا كي لا نتألم .. نعم ما باليد حيلة لكنها مجرد احلام يقظة وأدت عن بكرة ابيها ...
تقديري واحترامي لكم
منقول