واقعة جسر الأئمة.. غرقى يسيرون على الأقدام
كانت الجموع تزحف تحت وهج حب قدسي لإمام كابد كل أشكال الظلم في طوامير الطغاة فما تحملوا صبره وكظمه للغيظ، ليكيدوا له ويغتالوه عبر سم زعاف قطع أحشاؤه الطاهرة ليلقى فيما بعد على الجسر غريبا لا عشيرة له تشيعه أو تثأر لمصرعه، ولكن أتباعه من المستضعفين تغلبوا على صمتهم وخوفهم ليسيروا بنعشه فقد ثارت ثورة الحق أمام خديعة الظالمين..
يا لها من حادثة.. امرأة تشبثت بعباءتها خوفاً على سترها، أم احتضنت وليدها مرعوبة تحاول أن تحميه بجسدها الطاهر، وتتساقط الأجساد في هدأة نهر دجلة الذي افتتح أحضانه مشاكسا ليبتلع تلك المئات من الغرقى دون أن يرحمهم كعادته حين يروي أرض العراق بعذب مائه وليكون مقبرة للأبرياء، وليذكرنا بنهر الفرات الذي قتل عنده ثالث الأئمة الأطهار عطشاناً، فهل نعتب على النهرين أم نلعن قاتلينا..
أصوات الثكلى تصرخ نادبة أبنائها الذين كانوا قبل قليل يهتفون:
(جاوبنة الارهاب اليوم ... نتعنة الكاظم وانزورة).
ماذا قال لي السباح العراقي عندما رأيته في كربلاء المقدسة، يتحدث معي ودموعه تجري على ما رأت عيناه في هذه الحادثة..
يقول أخي العزيز من المنتخب العراقي للسباحة (ثائر عبد الرزاق) شاب هادئ وجميل يبلغ عمره تسعة عشر عاماً،يقول: كانت الساعة تشير إلى الحادية عشر صباحاً من يوم الأربعاء شاهدت منظرا لم أصدقه لحد هذه اللحظة، أول مرة أرى هذا المنظر.. أعداد كبيرة من الرجال والنساء يقفزون من فوق الجسر إلى النهر وكأن الأمر انتحار جماعي، ـــ كان يكثر من إعادة اسمي (محمد) ـــ فأخذ يكمل حديثه: بعدها سمعت صرخات الاستغاثة، ولم يكن أمامنا سوى الإسراع بطريقة شبه مجنونية لإنقاذ من يمكن إنقاذه.. ـــ سكوت عجيب للسباح (ثائر عبد الرزاق) وبكاء غير معقول، أخذ يبكي كالطفل ـــ فأخذ يكمل حديثه: عند وصولي إلى قاع النهر كانت المفاجأة المذهلة فالأجساد كلها مستقرة متشابكة في القاع.. نساء وأطفال وشيوخ، لم أعرف من أين أبدأ.. ــ مازالت دموع (ثائر) تتساقط من نرجستيه ــــ يقول: اتخذت قرارا سريعا وبدأت بإخراج الأطفال، رغم معرفتي بتضاؤل فرق الإنقاذ، ونجحت في إخراج تسعة أطفال تراوحت أعمارهم مابين ستة إلى تسعة أعوام.
في هذه الحالة وأنا أنزل إلى النهر وأعود حاملاً جثة لأضعها على ضفاف النهر، سمعت طفلاً يصرخ لأمه فإذا رأيته يرمي بنفسه خلف أمه، فتركت جثث القاع وذهب إلى الطفل ولكن مع الأسف.. ـــ أخذ يبكي بكاءاً شديدا ولم يتمكن من التحدث معي حينها.. ثم أخذ يصرخ (يا حسين) ودموعه تجري متوجها نحو حرم أبي عبد الله عليه السلام أضنها كانت زيارة الشعبانية.
أنقذ الغرقى حتى غرق:
شاب من (الأعظمية) وعلى ما أضن كان من أخوتي الأعزاء أبناء الطائفة (السنية)، يسكن حيا شعبيا تسمى (السفينة)، يوجد منزلاً صغيرا على مساحة مئة متر حيث تتشارك فيه أربع عوائل فقيرة، كان يعيش فيها الشاب (عثمان العبيدي) ، خرج (عثمان) حافي القدمين متجها نحو (جسر الأئمة) يوم الفاجعة لينقذ الأطفال ولنساء والشيوخ، وصل الجسر.. ، شوهد (عثمان) على الجسر يساعد رجال الأمن والأطباء بنقل الموتى إلى سيارات الاسعاف، لكنه قفز فجأة من الجسر إلى النهر، عندما شاهد رجالا ونساء وأطفالا يقفزون في النهر، هرع لإنقاذهم.. ونقل لي واحد من أعز أصدقائه ويدعى (مهند علي): رأيته بأم عيني كيف أنقذ ستة أشخاص، وجئت أنا أمه نصرخ عليه، لأن بان التعب على وجهه البشوش، فلم يصغي إلينا، وأدار وجهه ورأى امرأة تطلب الإنقاذ فهرع لإنقاذها وأنا أراه كيف راح إليها، وكانت المرأة بدينة وملتفة بالعباءة ساترة نفسها فسحبته إلى قاع النهر ولم يتمكن من إنقاذها وإنقاذ نفسه، لأنه كانت منهكا.
(منير عبد الحافظ العبيدي) عم الفقيد قال «كنا جالسين معا في البيت يوم الحادث، وبعد سماعنا خطيب وامام جامع ابو حنيفة يناشد أهالي الاعظمية إنقاذ إخوانهم زوار الإمام موسى الكاظم عليه السلام، كان عثمان قد هرع مسرعا الى منطقة الجسر، وطلبت منه أن ينتظرني لكنه لم يفعل وعند وصولي إلى مكان الحادث شاهدته يقوم بعمليات الإنقاذ. كان هو في النهر وأنا على الجرف اسحب الضحايا والمصابين، وفي لحظة لم ار سوى يد (عثمان) وهو يغرق مع الزائرة التي حاول إنقاذها، وسارع أصدقاؤه إلى نجدته لكنهم انتشلوه وقد فارق الحياة، وقد ذهلت من الموقف».
والد (عثمان) تحدث عن طفولة ابنه الشهيد فقال «في احد سفراتنا العائلية إلى مدينة الحبانية، وكان عمره أربع سنوات نزل إلى الماء وهو لا يعرف السباحة، وكاد أن يغرق وقد انتشلته في اللحظات الأخيرة ، واليوم فارق الحياة في الماء أيضا. كان مثال الابن الشهم في التطوع لإنقاذ الآخرين».
وذكر الوالد أن (عثمان) قام قبل وفاته بيوم واحد بتصوير أفراد العائلة الذين كانوا موجودين في البيت «وكأنه كان على علم بما سيحصل له».
(عثمان العبيدي) ترك والديه وشقيقتيه فهو الابن الذكر الوحيد لذويه، وبقيت أعماله وتضحيته تحيي ذكراه.. حشره الله مع المكبل في قعر السجون موسى الكاظم عليه السلام.